نجران، منطقة حدودية أثرية أبية وتتمدد على مساحات شاسعة من الصحاري والوديان والجبال يسكنها رجال بهمتهم وصبرهم ومثابرتهم ينافسون جبالها في الصمود ويطاولون وديانها في الكرم والتسامح واتساع سهولها وصحاريها بسعة صدورهم، أحفاد المؤمنين من أصحاب الأخدود لم يجدوا سبيل إلا في الأخلاق العربية الأبية والسماوية الشريفة ...  وأي شرف يضاهيه شرف أن

تكون سليل عبد الله ابن ثامر وقس بن ساعدة الأيادي؟

ليس الإرث هنا في المكان أو الدماء والنسب فقط بل بالفعل والمنهج.

ما أن يبزغ نجم رجل يضحي بالغالي والنفيس في سبيل وطنه ومجتمعه، يذود بقلمه أو بوقته وجاهه دون العابثين ويواجه الفساد وينتقد ويكتب أو يقوم بمراجعة ولاة الأمر ونقل المعاناة حتى تقوم أيادي مجهولة وخفية بالمكر له وتغييبه لأسباب مجهولة وما أن يخرج حتى يصمت للأبد.

ولاء أهل نجران لم يكن قصيدة ولا شيلة ولا أغنية، بل بالتضحيات اليومية والصمود الأبدي والصمت وغض العين على القذاة، صمود أهل نجران ليس يوم وليس سنة، بل كلمة شرف لا يمكن نقضها والجميع في أتم استعداده للموت دونها.

بين الفينة والأخرى يرتفع ترند الهاشتاق في تويتر بالمطالبة بشيء ما رغم أنه أدنى حقوقهم إلا أنها لا تتحقق بسهولة وكأن غالبية المسئولين في قطاعات نجران سد منيع حرم المواطن من تسهيل أموره.

مطار نجران ومعاناة ثلاث سنوات خير دليل على ذلك؟

ولن نتحدث عن الجامعة التي كانت سبب في سجن الكثيرين.

لم يطالبوا بأكثر من تسهيل نقل مرضاهم وكبار السن، طالبوا ببديل للمطار أو خدمة تعوضهم عن إغلاق مطارهم. قبل سنة كانت الوفيات في شهر واحد أكثر من خمسين وفاة وخيم الحزن والسواد على نجران قاطبة، فماذا قدم الطيران المدني والخطوط السعودية وغيرها من خطوط الطيران؟

بل على العكس استغل حاجتهم الكثيرون ورفعوا أسعار نقل الركاب برا وأصبحت تضاهي درجة أولى في خطوط طيران.

ماذا فعل المسئول في نجران كي يسهل حياة مليون مواطن على الحد وعلى خط النار؟

ماذا فعل الشعب السعودي الكريم تجاه هذه المنطقة الحدودية؟

ذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقون يعانون ويتجرعون مرارة الويل في حلهم وترحالهم، شباب أهل نجران هم الضحايا، لا رجال أعمال أوفياء يبنون المشاريع ويحييون القطاع الخاص ولا شركات كبرى تستغل أمكانيات وامتيازات هذه المنطقة ومكانتها ولا مسئول نقل المعاناة وغالبية رؤساء القبائل في شغلهم الشاغل.

الإعلام في توافه الأمر يعزف على وتر، الكتاب والمفكرين كعادتهم في قضايا الأمة، كتاب أهل نجران ومفكريها نصفهم تم سجنهم وأخذ التعهد عليه ونصف رقد ولم يعد يرغب في الصحوة.

مع هذا كله، إلا أن نجران يفيض بالكرم والنخوة والولاء، والشاهد ليس ببعيد، قضية دفع أهل نجران وقبائل يام وهمدان ومكرم عشرات الملايين لأجل رجل أنتخى بهم وقال "تكفون"، لقد سبق وأن اعتقدت بأنني رأيت الجمال وعشته ولكنني عندما أتأمل هذا المكان وهذه الأفعال انبهر لدرجة الصمود والصمت والتسبيح لله الذي أبقاني لرؤية ما أرى، جمال ليس بدنيوي لم ينبثق من يد فنان ولا لحن موسيقا ولا قلب شاعر،

أنه الجمال الذي يجعلك تواسي نفسك بالعيش في هذه الدنيا البائسة بأن تبقى لترى هذا الجمال السرمدي جمال يمتد من الأبد إلى الأبد.

نجران هي الإنسان الذي يجب أن تراه لتعرف معنى الإنسانية.

 

ابن عايض صالح، مطار الملك فهد، 14 يناير 2018

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث