لأننا في زمن نرى فيه للقوم" وجوه جميلة، وضمائر ردية، من رآهم أعجبوه و من عاملهم ظلموه، وجوههم وجوه الآدميين، وقلوبهم قلوب الشياطين، فهم أمر من الصبر و أنتن من الجيفة و أنجس من الكلب وأروغ من الثعلب و أطمع من الأشعب و ألزق من الجرب، لا يتناهون عن منكر فعلوه" كما قال الإمام علي عليه السلام.
ولأننا في زمن صار الناس فيه" عبيد  الدنيا، والدين لعق على السنتهم، يحوطونه ما درت به معايشهم، فإذا محصوا للبلاء قل الديانون" كما قال الحسين عليه السلام.

ولأننا في نجران-من فضل الله وكرمه-لا نبالغ في خلافنا مع مخالفينا، ولا نفجر في الخصومة معهم، ولا نحقر آراءهم، ولا نحط من كرامتهم، ولا ننتقص من قدرهم، ولا نهمل واجب الأخوة والدين والعرف والأخلاق فيهم، ولا نكن عداء لهم ما لم يبادروا هم أولا بالعداء لنا والإعتداء علينا كما فعل الدواعش.

ولأننا لا نفتري ولا نعتدي ولا نزور ولا نكذب عليهم عندما نشرع في دحض حججهم، ولا نكيل التهم لهم جزافا دون تحقق أو تثبت كما يفعلون في جامعاتهم ومساجدهم ومنابرهم وكتبهم وقنواتهم الفضائية ووسائل التواصل الإجتماعي، وفِي ندواتهم، وتجمعاتهم وأنشطتهم الصيفية والشتوية.
ولأننا نحب الواحد الديان سبحانه ونحب رسوله الكريم ونحب أهل بيته الطيبين الطاهرين، لأن حبهم عبادة، وبغضهم نفاق، ولأننا واثقون ثقة لا يرقى اليها الشك مما لدينا، وما نعتقده، ونؤمن به، ونتشرف بحمل شعلته المضيئة أبد الدهر.
لأننا في كل ذلك كذلك والحمدلله، وجب علينا أن نثمن عاليا، ونقدر تقديرا بالغا، ونشيد اشادة يعلم بها القاصي والداني بالتصريحات المهمة جدا والاستدراكات اللاحقة التي قالها مؤخرا الشيخ صالح المغامسي حفظه الله من شر الأشرار وكيد الفجار وعبدة الدرهم والدينار لأنها مختلفة ونوعية من حيث الشكل والمضمون كما سيأتي التفصيل لاحقا.

ما هي تصريحات الشيخ المغامسي السابقة واللاحقة، وكيف-من وجهة نظري-أوقع المتطرفين والتكفيريين الذين هاجموه في الفخ دون أن يقصد ذلك، ولماذا هي مهمة تصريحات الشيخ المغامسي، ولماذا صدرت هكذا تصريحات من شخص المغامسي تحديدا وليس من مشائخ آخرين من نفس المدرسة السلفية الوهابية؟!!

سأحاول أن اجتهد في الإجابة على هذه الأسئلة، وسأبدأ بذكر ما قاله الشيخ المغامسي في تصريحاته الأولى، قال ما نصه "إن أهل السنة والشيعة والإسماعلية والأباضية مسلمون ومؤمنون، وأحرى وأولى ألا يكون بينهم اقتتالٌ، وأقول بوضوح، إن أهل السنة والشيعة والإسماعلية والأباضية، كل هؤلاء يؤمنون بالله رباً وبمحمد – صلى الله عليه وسلم – نبياً وبالإسلام ديناً وبالقران كتاباً، وبالقيامة موعداً وبالجنة ثواباً للطائعين وبالنار عقاباً للكافرين ويؤمنون بالكعبة قِبلة، وهذا دين أتعبّد الله به ولذلك قلته، وهذا قول لا يجسر على قوله الكثير أو قد لا يؤمن به البعض، لكن الإنسان مسؤولٌ عمّا يعتقده، وإن كانت كل طائفة تكفّر الأخرى بالكلية وتستبيح دماءها، وتحرّض شبابها على أن ينتقموا من أولئك، فلن تقوم للأمة قائمة”.

بعد هذه التصريحات صب المتطرفون والتكفيريون جام غضبهم على الشيخ المغامسي واصطفوا جميعا للنيل منه وتحقيره والحط من قدره والتشكيك في أهليته العلمية ولمزوا وهمزوا فيه بوسائل مختلفة وأعادوا نشر خزعبلاتهم وكذبهم وتحريفهم وبهتانهم معتقدين أن لديهم حجج دامغة وبراهين ساطعه تسقط ما ذهب اليه المغامسي مع أن العالم كله لم يعد يصدقهم أبدا، فقد كتبوا-عند الله-من الكذابين، وأصبح كل ذي لُب يعقل أن ترهاتهم التي تفوهوا بها في ردودهم على المغامسي ماهي إلا أكاذيب تراكمت عبر السنين، ورثوها، ورضعوها صغارا، وتقيؤوها كبارا عن بني أمية مرورا بابن تيمية، ثم مشائخ السلفية الوهابية التقليديون كابن باز مثلا وغيره، وثبت بطلانها بالدليل القاطع وقد "شهد شاهد من أهلها" والحق ابلج والباطل لجلج الى أن تقوم الساعة.

كانت جل الردود على الشيخ المغامسي قد ركزت على المذهب الإسماعيلي وكفره وكفر اتباعه، وانثالت الاستشهادات والإحالات والنقولات على بطلان قول الشيخ المغامسي بذكر أسماء "علماء كبار" بزعمهم، اجمعوا على كفر هذا المذهب وأهله.

نذكر من اصحاب الردود على الشيخ المغامسي على سبيل المثال لا الحصر، اسماء مجموعة من سفلة القوم، فقط ليحفظها أهل نجران الأعزة الكرام جيداً، ليس لأهميتهم العلمية ولا لعلو كعبهم الفكري والأخلاقي وإنما لأنهم هم الواجهة التي تخفي وراءها السموم الطائفية النتنة التي تختلج في نفوس(السحرة الكبار)القابعون في مكاتبهم المكيفة وقصورهم الفارهة، الذين لا يجرؤوا على بث الطائفية والتكفير أصالة عن أنفسهم بشكل علني صريح وإنما وكالة عن طريق هؤلاء الأدوات الصغار الذين كلفوا بالقيام بالأدوار القذرة، مقابل حمايتهم من المساءلة والعقاب.

من هؤلاء الأوباش الحقراء الذين ردوا على الشيخ المغامسي على سبيل المثال لا الحصر، الأستاذ الدكتور صالح بن عبدالعزيز بن عثمان سندي(يعمل بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.. ولَك أن تتخيل أن هذا القذر يسكن بجوار المصطفى ويبث سمومه الطائفية)!!!

كذلك الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب، وهي جمعية علمية سعودية تعمل تحت إشراف الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ولَك أن تتخيل ايضا أي علم وأي فكر يخرج من هذه الجمعية الوضيعة!!

كذلك الشيخ الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عبد العزير السعيد(حقير آخر بدرجة شيخ دكتور يعمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)ولَك أن تتخيل ايضا أن هذا الرقيع "درّس في المسجد الحرام، وفي عدد كبير من الدورات العلمية، إضافة إلى دروسه المستمرة طوال العام في جامع دار العلوم بالرياض، وشارك ولا يزال في عضوية عدد من اللجان والمجالس داخل الجامعة وخارجها، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة دارة الملك عبدالعزيز، وهو عضو في تحرير مجلة سنن، وشارك في عدد من المؤتمرات والندوات الداخلية والخارجية، وكذا الدروس والمحاضرات والدورات العلمية، كما أن له مشاركات إعلامية في عدد من الصحف والقنوات والإذاعات، وتولى الإشراف على المؤتمر الدولي(نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم )و(الندوة الدولية لترجمة السيرة والسنة النبوية) و(مجالس إسماع كتب السنة برعاية وزارة التعليم العالي)،وأشرف على عدد من الرسائل العلمية وناقشها في العديد من الجامعات.".

أوقع الشيخ المغامسي هؤلاء الأغبياء في الفخ دون أن يقصد وذلك بأن ذكر المذاهب مجملة في تصريحاته الأولى ولم يفصل فيها ويذكر الفروق بينها وأدبياتها ومعتقداتها الخ، ولأنهم يتذاكون على قرائهم واتباعهم ويراهنون على جهلهم وعدم معرفتهم بالملل والنحل ويخلطون أمام هؤلاء القرّاء "المساكين" حابل المذاهب بنابلها وصحيحها بسقيمها وأقربها وأبعدها عن الحق.

اقول لأنهم كذلك ولأن هذه هي أساليبهم الخسيسة صفعهم الشيخ المغامسي مرة أخرى بتصريح لاحق وضح فيه "أننا(يقصد السلفيين)لا نملك دليلاً شرعيًّا لكي نُخرج هذه الطوائف- وأقيد طائفة الإسماعيلية في نجران - عن دين الله، وأن نحكم عليهم بالكفر البواح المسبب للخلود في النار، ولا يلزم من ذلك تصحيح كل أقوالهم، وأنه يقصد بمفردة (الإسماعيلية) في حديثه الموجودين الآن في نجران جنوب المملكة العربية السعودية، مشيرًا إلى أنه لم يرَ ممن التقى بعضهم سوى كونهم مسلمين، وأما ما قاله بعض العلماء في السابق عن الإسماعيلية بشكل عام، وفِرقها ومللها ونحلها، فهذا لا يشمله خطابي(يقصد تصريحه الأول)،ولا علاقة له بالإسماعيلية الذين يعيشون بيننا في السعودية، فأنا أتحدث عن زماننا وأهل عصرنا ممن رأيناهم وعرفناهم ممن يسكنون جنوب بلادنا، أو غيرها من المناطق في السعودية".

وبهذا التوضيح الأخير من قبل الشيخ المغامسي الذي حدد فيه المقصود بالمذهب الإسماعيلي في تصريحه والذي زاد غيض المتطرفين والتكفيريين أكثر من ذي قبل، أغلق الطريق-دون أن يقصد ربما-على تلاعبهم وتزييفهم وخلطهم في ردودهم السابقة على تصريحه الأول ولم يعد باستطاعتهم اللعب مجددا على اتباعهم وخلط الأوراق والمذاهب وبخاصة لمن يعمل تفكيره فيما يكتب ويقال من الأتباع ولا يؤجر عقله لهؤلاء المتطرفين التكفيريين.

إن أهمية تصريحات الشيخ المغامسي تكمن-من وجهة نظري-ليس في أنها تقر حقيقة ثابته شرعا، فهذا مفروغ منه عند أهل نجران ولا جدال فيه، بل الأهمية تكمن حقيقة في أنها صدرت لأول مره وبهذا الوضوح الذي لا لبس فيه، من شخص سلفي وهابي في منصب ديني مرموق وقريب من السلطتين الدينية والتنفيذية وهذا أمر لافت يستحق التأمل.

وحتى تستكمل هذه الخطوة الجريئة غير المسبوقة التي بدأها الشيخ المغامسي، فإنه يلزم أن تتبعها خطوة أخرى أكثر أهمية منها وإلحاحا من أي وقت مضى وهي أن تصدر هيئة كبار العلماء السعودية وعلى رأسها المفتي إقرار لا لبس فيه بأن المذاهب جميعها، بما فيها المذهب الإسماعيلي، الذي يعتنقه أهل نجران، مذاهب مسلمة يجرم من يكفرها أو يفسقها او يبدعها أو يحرض على سفك دم اتباعها.

يجب أن تحدث هذه الخطوة اللاحقة بأسرع ما يمكن ليس لأن أهل نجران في حاجتها للاعتراف بمذهبهم الإسلامي العريق في وطنهم أو لأنها تضيف لهم مجدا وسؤددا ليس لديهم من قبل، أو لأنها تجعل لهم قيمة لم تكن لهم قبلا، بل لأن الضرورة الدينية والأخلاقية والوطنية والمواطنة الحقة والسلم والأمن الأهليين تقتضي كل هذا على وجه السرعة، وكذلك حتى يتم ايضا القضاء الى الأبد على هذا التناقض الذي يعيشه مجتمعنا السعودي على المستويات الدينية والسلطة التنفيذية والأفراد والجماعات والمذاهب داخل المملكة بين الأقوال والأفعال.

هذه الخطوة اللاحقة أحوج ما يكون لها هم اخواننا وشركاؤنا على الطرف الآخر في الوطن وليس أهل نجران، لأنهم هم من أوجد هذا التناقض في مجتمعنا السعودي وليس أهل نجران ولا مذهبهم الإسماعيلي.

وبالعودة الى شخص الشيخ المغامسي قد يتساءل أحدهم: لماذا اذا صدرت هذه التصريحات البالغة الأهمية من الشيخ المغامسي ذاته وليس من مشائخ السلفية الوهابية الآخرين؟

البعض قد يقول أن ما قاله الشيخ المغامسي ليس الا إيعاز من السلطات له حتى تنسجم هذه التصريحات مع رؤية (٢٠٣٠)المستقبلية، ولست اجد نفسي مع هذا الرأي بالرغم من وجاهته، وإنما اعتقد أن السبب الحقيقي لصدور مثل هذه التصريحات من الشيخ المغامسي دون غيره تكمن في شخصيته ونشأته ومكانه الذي تربى فيه وهو المدينة المنورة  وهذا نجده في اجابة له في برنامج(بالمختصر)في(ام بي سي)حيث قال أن مجتمع المدينة المنورة "مجتمع أخلاط وهذا يساعد كثيرا في الثقافة، وقد تربيت في حي مليء بجنسيات مختلفة، وحتى أناس من مناطق المملكة المختلفة، وهذا صنع لغة مشتركة بين كل هذا الخليط وجعلك تتقبل الآخرين ويتقبلونك".

فلأن الشيخ صالح المغامسي نشأ في هكذا مجتمع خليط كمجتمع المدينة المنورة(وقد كان هذا حال المدينة في عهد النبي الكريم )منذ الصغر بما يحمله من التنوع والاختلاف الثقافي وحتى المذهبي واللغوي والعادات والتقاليد انعكس هذا كله-في ظني- على شخصيته وافكاره وآرائه وطبعه ولهذا فليس مستغربا أن تخرج منه هذه التصريحات الإيجابية المتقدمة جدا مقارنة بمشائخه  ومجايليه ومن هم يتبعون ذات المنهج السلفي الوهابي.

لننتظر فما زال هناك في الجعبة الكثير مما ستكشفه الأيام القادمة، والله يسمعنا خيرا، ويحفظ وطننا من كيد الكائدين واعداء الداخل والخارج.

منصر لسلوم

 

 

مُثـــار  ... علوم وأخبار

أضف تعليق


كود امني
تحديث