" من على جال وادي الدرعية ... هذا الوادي المليء بالأسرار والتراث والأحداث والتاريخ، حيث يكون فرق درجة الحرارة عن مدينة الرياض أكثر من عشر درجات مئوية والأجواء كلها لا تشجع على كتابة ما يجب أن أكتبه ولكنني ... سأكتب"

 

 الأهداف الكبيرة والسامية تخلق أفعال جليلة، وفي تصوري بأن تكتب كتاب ولم يسبق لك التجربة ولم تخالط ولم تصاحب كتاب ولا مثقفين ولا علم لك عن كيفية إصدار كتاب وطباعته ولا أية معلومة أو دراية عن الوسط الثقافي، كل ما لديك من خبرة تنحصر في مادة التعبير وكل أسبوع تكتب عن موضوع ما " أسبوع الشجرة، أسبوع المرور، عن رحلة مع الأسرة وتكون ثم هي سيدة الكلمات، عن الأم عن المعلم ..." ، وفي أيام وأسابيع تخرج بكتاب ... لأجل مواجهة قضية وطنية وقضية أمة ومرض مستشري لهو الفعل الجليل الذي يستحق التقدير والإجلال، وهذا ما حدث لي ولكنني للأسف لم أكن واعي بما يكفي لأعطي الموقف حقه وكنت غارق في وهم أفكار عن نفسي وعن الآخرين وعن القضية وخرجت إلى فضاء آخر دون أن أعلم وهو الوسط الثقافي والكتابي.

الواسطة والفساد الإداري عاهة ومرض اجتماعي وسلوك مشين أصابنا ولم نعد نمتلك القدرة على مواجهته، لقد أصبح ثقافة.

خطوات الشيطان سهلة وممكنة وفيها لذة سريعة وتميل إليها النفس وطريق لا تكاد تخلو. ومن الأمثلة على خطواته، تلك الفكرة التي تبزغ في أذهاننا كلما أردنا حل معضلة أو مراجعة معاملة أو الحصول على حق من حقوقنا هي فكرة غرسنا الشيطان بخيله ورجله وركض بها فينا ليخرجنا من النور إلى الظلمات.

قضيتي ليست في ثري منفقع يريد أن يضيف لوجوده بعد آخر كاسم يسرده مع مجموعة أسماء يقوزها أمام اسمه ووجد اسم كاتب سهل وميسر وتبادر على ذهنه بأنه كاتب لا قام ولا قعد وأراد أن يزعج الأرض ويوقظها من سباتها وتخلفها بعلمه وأدبه وبمعزوفاته الإبداعية على وقع كلمات الأدب والفلسفة والدخول للتاريخ من أوسع أبوابه.

قضيتي كانت بسيطة ولا عمق فيها ولا فلسفة، بدوي أراد وظيفة تناسب شهادته، وحال بينه وبينها ثقافة مجتمعه التي تفرض عليه أن يدخل من تحت جسر المذلة والهوان وهو جسر المتنفذين والفاسدين ليقوموا بالشعور بأنهم ذوي سلطة وجاه من خلال توزيع أرزاق الناس عليهم كشرهات تحت مسمى فزعة، واسطة، تبادل مصالح.

من جامعة كجامعة الملك فهد للبترول والمعادن وبأدنى جهد ممكن أن يبذله كائن بشري للتخرج منها وهو سليم وبكامل قواه العقلية يستحق أن يحظى بكل ما يريد وأن تبذل له الحكومة والمجتمع الغالي والنفيس ليحقق أهدافه، والسبب واضح، طلاب جامعة الملك فهد بين أيديكم ولكم الحكم والفصل، الجهد الذي بذلوه جبار ولا تضاهيه أية جامعة على مستوى العالم بناء على معرفتي البسيطة وتجربتي في الجامعات، ويتفوقون أينما حلوا ليس لأنهم متفوقين جسديا أو فكريا بل لأنهم تعلموا بآلية صعبة وشاقة علمتهم المثابرة والصبر، وأغلبهم يصاب بمرض نفسي غامض جراء الصدمة التي يتلقونها بعد تخرجهم.

لم يحدث أي شيء منا هذا ولم تدعنا الواسطة لننافس على الوظائف بكل عدل ومصداقية وفي الأخير يقولون تخصصاتكم علمية وهندسة ولا يوجد لها مجال في السعودية، كان أحد مشاريعنا المكتب الذكي عام 2002 تتحكم فيه بالجوال، لو استمرت البحوث خمس سنوات لكان لنا شأن بين الدول المنافسة على البيوت الذكية.

 

عندما وجدت بأنني بضاعة لا قيمة لها في سوق الفساد أحرقت شهادتهم التي رموني بها كذنب يجب أن يعاقبونني عليه واتجهت بكافة قواي لأكتب رسالة اعتذار لأمي ولمجتمعي، فنجان قهوة سوداء وجلسة منزوية في فندق هوليدي أن نجران وفي اليوم الأول كتبت خمس صفحات بالكتابة اليدوية.

 

مُـــثار ... علوم وأخبار

أضف تعليق


كود امني
تحديث